العدالة والحرية من أجل تنمية بشرية حقيقية تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العدالة والحرية من أجل تنمية بشرية حقيقية

01 December 2016

بقلم: د. خالد أبو إسماعيل*

 وفقا لتقرير التنمية البشرية العالمي لعام 2015، حققت غالبية البلدان العربية مستوى جيدا من التنمية البشرية قياسا بالبلدان الأخرى وذلك بناء على دليل التنمية البشرية الذي يقيس بنود الدخل والصحة والتعليم وهي الأكثر التصاقا بحياة الناس. وقد سبق لتقرير عام 2010 أن أشار إلى الأمر عينه عندما ذكر أن خمسة بلدان عربية قد تربعت على عرش إنجازات التنمية البشرية على الصعيد العالمي بين عامي 1970 و2010، وفي مقدمها سلطنة عمان وتونس. وبالمقابل، فأنه قبل انتهاء العام الذي صدر خلاله التقرير المذكور اندلعت في تونس انتفاضة انصبت مطالبها الأساسية على الحاجة إلى إصلاحات تتعلق بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية وبنمط الحكم. نحن إذا أمام مفارقة لافتة.

 لقد أثارت هذه المفارقة الحادة تساؤلات عن مدى دقة المؤشر الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والذي لا يزال حتى الآن هو المصدر الأساسي لقياس التنمية البشرية في العالم. كما دفعت هذه المفارقة الخبراء أن يسعوا في سبيل رفع مستوى دقة هذا المؤشر.  وضمن سياق هذا السعي، تسنى لنا أن نخلص في بحث حديث أجريناه إلى أنه من الممكن تجويد المؤشر الحالي وذلك من خلال قياس بند هو في الحقيقة في صلب موضوع الحوكمة خصوصا، وفي صلب موضوع التنمية البشرية عموما، وهو بند "الحرية الفردية". لقد حظي مفهوم "الحرية الفردية" بعناية عدد من مؤسسي حقل التنمية البشرية وعلى رأسهم الفيلسوف والمنظّر الاقتصادي الهندي أمارتا سن Amartya Sen. وقد بلغت أهمية المفهوم عنده حدا جعله يرى في الحرية الغاية الكبرى للتنمية، وكل ذلك تبدى في كتابه "التنمية كحرية" Development as Freedom الصادر عام 1999 أي بعد عام من حصوله على جائزة نوبل.  وكمعنيين بالتنمية البشرية في المنطقة العربية، عمدنا إلى إجراء بحث جرئ يتوخى قياس وضع التنمية البشرية في البلدان العربية بعد تضمين بند الحرية الفردية في مكونات الدليل السابق. وقد باشرنا قياس هذا البند بواسطة مؤشرين: أولهما مؤشر العدالة ممثلا بسلطة القانون، وثانيهما مؤشر الحرية والمساءلة. وفي ذلك استفدنا من بيانات البنك الدولي الذي يقيس هذين البندين دوريا.

 وإذ ظهر أن عددا قليلا من البلدان العربية قد شهد تحسنا في جودة الحكم خلال السنوات القليلة الماضية، تبيّن في الوقت عينه أن الغالبية بحاجة ماسة لإجراء إصلاحات أعمق في البعد الحوكمي. ففي المجموعة الأولى، نجد أن بلدا كتونس قد حقق طفرة خلال السنوات التي أعقبت حراك 2010 في بندي الحرية والمساءلة. ولكن في المقابل نجد أنه في عدد كبير من البلدان العربية جرت محاولة دؤوبة لترسيخ معادلة الانتقاص من الحرية مقابل الاستقرار وجعلها جزءا من العقد الاجتماعي الضمني الحالي. وفي بعض من تلك البلدان، ظهر جليا أن لتجاهل إصلاح الحوكمة تداعيات وخيمة. ومن هذه التداعيات ما شهدته المنطقة مؤخراً من زيادة معدلات الفقر المدقع والجوع و الركود الاقتصادي وتدهور الوضع الإنساني فقد مثلت تداعيات تجاهل إصلاح نهج الحوكمة أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى حالة الاستقطاب المجتمعي والاحتقان والاضطراب الأمني الواسع والنزاع التي سادت مختلف بلدان المنطقة بدرجات متفاوتة. وفي البلدان ذات الكثافة السكانية العالية والموارد المحدودة يؤدي سوء الأداء الاقتصادي الناجم عن نهج حوكمة رديء حتما إلى ضغوط هائلة، إذ تخفق السياسات في تحقيق ما تعد به من نموٍ لقاء إسكات الأصوات المعارضة وتجنب المساءلة. وعندما تعلو الأصوات المنادية بإصلاح نهج الحوكمة ، تعتمد لغة القمع لإسكاتها وهو ما يؤدي إلى اتساع الشرخ بين الطبقة الحاكمة والشارع وتعميق الاستقطاب السياسي والاقتصادي تعميقا ينذر بانهيار دعائم الاستقرار. وفي بعض البلدان العربية الغنية بالموارد النفطية تُعتَمدُ معادلةُ الانتقاص من الحرية مقابل الاستقرار ممزوجة بتوزيع جزء من الريع مقابل القبول ببقاء الحكم، وتعرف هذه البلدان في حقل الاقتصاد السياسي باسم الدولة الريعية rentier state . وفي الواقع أن عواقب هذه المعادلة وخيمة أيضا على الرغم من أنها قد تبدو قابلة للتطبيق في بعض الأحيان. ومن هذه العواقب النزيف الاقتصادي غير المرئي. وقد رأينا كيف أن عددا من البلدان التي اعتمدت هذه المعادلة قد أخذت تجري تصويبات جذرية في السياسات الاقتصادية لإيقاف ذلك النزف. وبعض تلك التصويبات الجذرية ينطوي على إصلاحات ذات طبيعة حوكمية. وعلى الرغم من أن هذه الإصلاحات ضئيلة للغاية، لكنها في كل الأحوال مؤشر إيجابي وحجة دامغة على أن إصلاح نهج الحوكمة أمر ضروري للغاية.   

ولا يغيّر في ذلك ما ذهب إليه البعض من الاحتجاج بأن هناك بلدانا قد تسنى فيها  تحقيق نمو مطرد على الرغم من أن نهج الحوكمة القائم فيها تسلطي  وتعتريه أوجه خلل كثيرة، كما حصل في منطقة شرق آسيا. ففي مَعرِض دحض هذه الحجة أوضح تقرير رؤية عربية 2030 الذي أعدته الإسكوا ونشر في صيف 2016 أن النمو الاقتصادي المطّرد الذي حققته بعض بلدان شرق آسيا قد حدث في ظروف فريدة عقب الحرب العالمية الثانية. وثمة اختلافات بنيوية وسياساتية جذرية بين تلك البلدان والبلدان العربية تجعل من افتراض إمكان تكرار التجربة افتراضا غير مبرر، فقد أولت بلدان شرق آسيا تلك عناية فائقة بالتحوّل الهيكلي الاقتصادي وبإصلاح نهج الحوكمة في دوائر الجهاز البيروقراطي الذي يؤثر تأثيرا مباشرا  في عجلة الاقتصاد والاستثمار. كما اعتنت بتحقيق النمو المستدام بدلا من التركيز على نمو تستفيد منه النخبة. كما اعتنت بإصلاح سياسات الحوكمة المؤثرة في بنية الموارد البشرية، وهو ما أتاح لها قاعدة بشرية مؤهلة على مدى زمني شمل أجيالا وليس جيلا واحدا. وقد أـسهمت تلك السياسات وتلك القاعدة البشرية في تنفيذ ذلك التحوّل الهيكلي الطموح الذي شهدنا مثلا له في ماليزيا وكوريا الجنوبية. وكل تلك الإصلاحات الحوكمية جرى تجاهلها في البلدان العربية التي أقترن نمط النمو فيها بضعف في الإنتاجية والتصنيع والبطالة خصوصاً بين الشباب وأتساع رقعة القطاع غير الرسمي والإستيراد المفرط خصوصاً لتلبية رغبات الاستهلاك التفاخري لدى الأغنياء.

إن خلاصة جميع ما سبق هي أن حقلا واسعا كالتنمية البشرية لا يصح اختزاله في نتائج قياس عددٍ محدود من الظواهر أو البنود، وأنه لا غنى عن قياس الحوكمة إذا ما أردنا الحصول على صورة أكثر دقة لواقع التنمية البشرية. أما الخلاصة الأخرى فهي أنه لا غنى عن إصلاح نهج الحوكمة في الدول العربية إذا ما أردنا تحقيق غايات التنمية وعلى رأسها تأمين الاستقرار وتحسين مستوى المعيشة. إن إصلاح نهج الحوكمة وصون الحريات العامة والفردية يمثل الخطوة الأولى على طريق تحقيق شروط الخروج من المأزق الذي وقعت فيه بلدان المنطقة. ومن أهم هذه الشروط التحول الهيكلي الاقتصادي السلس، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وإذا تعذر ذلك، ستعجز بلدان المنطقة عن إرساء أسس الاستقرار وعن تحقيق نمو مستدام. وكل ذلك يؤدي إلى إخفاقها على صعيد التنمية البشرية الحقيقية.
 
***
*الدكتور خالد أبو اسماعيل هو رئيس قسم التنمية الاقتصادية والفقر في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومحاضر في الجامعة اللبنانية الأمريكية. إنّ الآراء الواردة في هذا النص هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء الإسكوا.