إدارة السياسة المالية والضريبية تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إدارة السياسة المالية والضريبية



يقر الإطار العالمي الجديد لتمويل التنمية بأن الموارد المحلية تشكل ركيزة هامة من أجل إنجاز خطة التنمية المستدامة لعام 2030. وفي هذا السياق، فإن إصلاح وتعزيز النظم المالية والضريبية، سواء من حيث تحسين السياسات أو الإدارة العامة، تبرز كضرورة ملحة لمسارات تمويل التنمية باعتبارهما أولويتين أساسيتين لمجالات العمل التي تنطوي ضمن خطة عمل أديس أبابا.
 
ويشكل الالتزام الراسخ بتعزيز إدارة الإيرادات عبر إقرار سياسة ضريبية حديثة وفعالة بجانب تعزيز كفاءة أنظمة التحصيل الضريبية عناصر أساسية في سبيل تحقيق الانضباط المالي وتوسيع القاعدة الضريبية ولدمج القطاع غير المنظم في الاقتصاد الرسمي. انطلاقا من هذا، يقر الإطار العالمي الجديد لتمويل التنمية بالحاجة إلى زيادة التعاون الدولي للحد بدرجة كبيرة، إن لم يكن القضاء على التدفقات المالية غير المشروعة بحلول عام 2030، وذلك بجانب مكافحة الفساد والحد من ممارسات التهرب والتجنب الضريبي من خلال تطوير الأطر والتشريعات الوطنية اللازمة وعبر تعزيز التعاون الضريبي الإقليمي والدولي على حد سواء.
 
وفي حين تمثل الأنظمة الضريبية النسيج الرابط بين الدول ومواطنيها والأداة الفعالة لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، فإن ضمان وجود أنظمة ضريبية عادلة يوفر فرصاً لتعزيز التماسك الاجتماعي، ويقلل من حالة عدم المساواة. كما يمكن لنظام ضريبي غير فعال أو متكافئ أن يقوّد من عملية التحول الهيكلي ومن التدفقات الاستثمارية في البلاد ويعترض النمو الاقتصادي والشمول الاجتماعي. من هنا، تتجلى الحاجة الى وضع السياسات الضريبية في مقدمة أولويات النقاش الدولي الدائر حول إعادة توزيع الموارد المحلية وتعبئتها من أجل تمويل التنمية، حيث يمكن لتحســين عمليات تحصــيل الضــرائب أن يسهم في خلق بيئة مواتيــة تسمح بتعزيز الموارد المحلية ورفع الحيز المالي والانفاق الحكومي من تأمين وإيصال الخــدمات العامــة الأساسية. ويترتب على رفع كفاءة تحصيل الضرائب تعبئة تمويل محلي إضافي يصوب لحفز التمويل المخـتلط أو الجمـاعي ولتخفيف مخاطر التمويل الـتي تدعم تنمية القطاع الخاص. ومن جهة أخرى، فإن الأنظمة الضريبية غير اللائقة أو الضعيفة قد تدفع بظهور ممارسات التخطيط الضريبي العدواني ونقل الأرباح، ومن بينها على سبيل المثال قيام بعض الشركات متعددة الجنسيات بتحويل أرباحها مستفيدة من الفجوات في النظم الضريبية المختلفة.
 
انطلاقا مما سبق، تقوم الأمم المتحدة عبر لجانها الإقليمية جنباً إلى جنب ومنظمات دولية أخرى بتطوير استراتيجيات متعددة لإصلاح النظم والسياسات الضرائبية والتشريعات المتصلة بهما وتعزيز أسلوب تحصيلها. فعلى سبيل المثال، تسلط خطة عمل أديس أبابا الضوء على الجهود التي يبذلها المنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات للأغراض الضريبية ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في مجال منع تآكل الأوعية الضرائبية وللحد من ممارسات نقل الأرباح.  كما تبرز خطة أديس الحاجة الى أشكال أخرى للتعاون ومن بينها التعاون الإقليمي بين المنظمات الإقليمية وفيما بين البلدان تحقيقاً لذات الغرض.
 
اعتمدت المنطقة العربية، في أعقاب موجة التحولات السياسية التي شهدتها منذ عام 2011، نهجاً قصير الأجل لإدارة المالية العامة. لذا، أصبح من الهام تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي ومعالجة مشكلة المديونية الهيكلية اعتماداً على تعبئة الموارد المحلية بوصفه أحد أهم مسارات تمويل التنمية المستدامة. غير أن الاقتصادات العربية تواجه مجموعة من التحديات المشتركة سواء فيما يتصل بتحصيل الضرائب وتحفيز الموارد المالية لخلق الحيز المالي المطلوب لإقرار عقد اجتماعي عربي جديد، لاسيما في ظل وجود قطاعات يصعب فرض ضرائب عليها، وبالنظر لتفشي عادات امتثال ضعيفة، وضعف في إدارة الإيرادات، وبسبب تآكل عائدات التجارة بفعل الاستراتيجيات والمسارات المتضاربة لتحرير التجارة السلعية. وفي حين تعتمد الدول العربية على مزيج من مصادر الدخل، وخاصة الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات وضرائب الدخل والشركات، الا أن الحوافز الضريبية من جهة أخرى غالباً ما يتم تقديمها بدون الاعتداد إلى تكلفة الفرصة البديلة، وهو الأمر الذي يقوٌض نزاهة الأنظمة الضريبية وسلامتها. لذا، فان ضمان حصول البلدان العربية على الدعم الذي تحتاجه لبناء أنظمة ضريبية فعالة وتعزيز تحصيل الإيرادات الضريبية يشكل أولوية رئيسية في هذه المرحلة.
 
وفي هذا السياق، تدعم الإسكوا الدول الأعضاء في بناء وتحديث أنظمتها الضريبية (السياسات والتطبيق) ومؤسساتها من خلال توفير المساعدة التقنية وبناء القدرات التي تهدف إلى تعزيز إدارة الإيرادات ومعالجة تسرب الموارد الناجمة عن التدفقات المالية غير المشروعة. وتواصل الإسكوا دفع نتائج تحليلاتها المعيارية بغرض التصدي للتهريب غير المشروع للموارد الخارجة من المنطقة وذلك من خلال: تنظيم ورش عمل وطنية وإقليمية متخصصة تستعرض من خلالها الأنظمة والمعاهدات الضريبية، وتوفر فرص لبناء القدرات فيما يتعلق بخطة تأكل الأوعية الضرائبية ونقل الأرباح بما يسهم في تعزيز كفاءة إدارة المالية العامة والنظم الضريبية بفعالية.