عقدت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ورشة عمل إقليمية بعنوان "التكنولوجيا للحد من آثار النزاع على الأجيال القادمة "جمعت صانعي السياسات ووكالات الأمم المتحدة والتقنيين والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني من مختلف أنحاء المنطقة العربية. تناول الاجتماع سبلًا عملية لدمج الابتكار الرقمي ضمن أطر التعافي والقدرة على الصمود في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.
تُعدّ النزاعات العامل الرئيسي وراء الهشاشة في المنطقة العربية، إذ تؤثر على ما يقارب نصف سكانها وتُسهم في عكس عقود من التقدم. وأكد المشاركون أنّ التعافي لم يعد ينبغي اعتباره مرحلة لاحقة للنزاع، بل عملية مستمرة تُدمج فيها عناصر الصمود أثناء الأزمات. وتمّ التأكيد على أنّ التكنولوجيا، عندما تُدار بمسؤولية، تشكل جسرًا أساسيًا نحو التعافي ومحركًا فعالا للاندماج والسلام.
استُهلّت الورشة بعرضٍ شاملٍ أضاء على حجم الخسائر الفادحة التي تكبدتها المنطقة العربية خلال العقد الأخير، على مختلف الأصعدة البشرية والبنيوية والتعليمية، جراء ما شهدته من حروبٍ ونزاعاتٍ تركت آثاراً عميقة على مسار التنمية والاستقرار.
وكان الإطار المتكامل للتخطيط التكنولوجي محورًا رئيسيًا في المناقشات، وهو نموذج يدمج الابتكار مباشرة في السياسات والتخطيط المؤسسي. وتشمل مبادئه الأساسية:
- التكامل عبر دورات التخطيط باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ونظم المعلومات الجغرافية، والمحاكاة الرقمية المزدوجة للتشخيص والمتابعة.
- التفكير المنظومي لتوحيد البيانات والحوكمة والإدماج.
- الضمانات الأخلاقية التي تكفل الخصوصية والمساواة والعدالة الرقمية.
استعرض المشاركون أمثلة على البنية التحتية الرقمية العامة (DPI) – مثل الهوية الرقمية وأنظمة الدفع والمنصات القائمة على الموافقة – باعتبارها “العمود الفقري” للتعافي الشامل. وأبرزت المناقشات أنّ الاستثمار في منصات رقمية آمنة ومفتوحة وقابلة للتشغيل البيني يسرّع استعادة الخدمات ويعيد بناء الثقة العامة.
كما تناولت المناقشات الأبعاد الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، مشددة على ضرورة اعتماد إطار قائم على حقوق الإنسان في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن جهود التعافي، بما يتماشى مع مبادئ اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وبرزت حماية البيانات، والثقافة الرقمية، والمساواة في الوصول كأولويات عاجلة.
في نفس السياق، تمّ عرض نظام إنذار مبكر مدعوم بالذكاء الاصطناعي يساعد الحكومات على استباق المخاطر المعقدة والاستجابة لها من خلال دمج بيانات النزاع والمناخ والمؤشرات الاجتماعية-الاقتصادية. كما عُرضت ابتكارات مكمّلة في مجالي رصد الأرض (EO) والذكاء الجغرافي (GeoAI)، توضح كيف يمكن لتقنيات الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي رسم خرائط للأضرار، وتتبع تدهور البيئة، ودعم التخطيط الإنساني. ومع توقع بلوغ سوق رصد الأرض العالمي نحو 700 مليار دولار بحلول عام 2030، دعا المشاركون إلى تعزيز التعاون الإقليمي ووضع أطر للبيانات المفتوحة تضمن الاستخدام الأخلاقي والفعّال لهذه التقنيات.
وشدد المشاركون على أن التعافي المستدام يتطلب الاستثمار في الإنسان بقدر الاستثمار في التكنولوجيا. فبناء قوى عاملة رقمية متمحورة حول المواطن – بدعم من استراتيجيات وطنية للمهارات وشراكات متعددة القطاعات – يُعدّ أساسيًا. كما يلعب المبتكرون المحليون والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة دورًا محوريًا في إعادة بناء الاقتصادات وخلق فرص العمل، في حين أُعيد التأكيد على التعليم كأساس للقدرة التكنولوجية على الصمود.
وعُرض نموذج الرقمنة الاستباقية الذي يبرهن كيف تمكّن البنية التحتية الرقمية الجامعات من مواصلة عملها أثناء الأزمات، وتوسّع فرص التعليم أمام اللاجئين والشباب المهمّشين عبر أدوات منخفضة التكلفة مثل التعليم عبر تطبيق "واتساب".
كما قدّمت الورشة النموذج التكاملـي لإعادة الإعمار والتعافي الذي يجمع بين التكنولوجيا المحلية والمشاركة المجتمعية. وتضمنت الأمثلة مشاريع مثل: التحصين ضد الجفاف باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتعليم الرقمي في التجمعات غير الرسمية، ووحدة المأوى السريع الأثر في غزة، التي توفر مساكن ومساحات تعليمية للأسر النازحة.
وسُلّط الضوء على أهمية تطوير التكنولوجيا محليًا – باستخدام الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والطباعة ثلاثية الأبعاد – كعامل رئيسي في تحقيق التعافي المستدام. واستعرض المشاركون مشاريع مثل الروبوتات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تقدم إرشادات طبية متعددة اللغات عبر "واتساب" و"تلغرام"، وأدوات التكنولوجيا المالية التي تمكّن من استخدام المحافظ الإلكترونية في مناطق النزاع لدعم التجارة وسبل العيش.
وفي جميع الجلسات، تبلور إجماع مفاده أن القدرة على الصمود تعتمد على الإنتاج المشترك بين الحكومة والمجتمع المدني، وعلى تمكين المجتمعات كفاعلين نشطين في عملية التعافي. فالتكنولوجيا يمكن أن تساهم في استدامة الحوكمة، وتمكين سبل المعيشة، وصون الكرامة الإنسانية حتى في ظلّ النزاعات.
وأعادت الورشة التأكيد على التزام الإسكوا بمساعدة الدول العربية على تسخير الإمكانات التحولية للتكنولوجيا من أجل تعافٍ إنسانيمستدام . واتفق المشاركون على أنّ الابتكار الرقمي، عندما يُدار بمسؤولية، يمكن أن يشكّل جسرًا من الهشاشة إلى الاستقرار، محوِّلًا التكنولوجيا من مصدرٍ للانقسام إلى محفّزٍ للسلام والإدماج والتنمية المستدامة.
النتائج الثلاث الرئيسية التي انبثقت عن المناقشات:
- دليل بالجهات والمبادرات: مصفوفة مفصلة تحدد "من يقوم بماذا"، تشمل الجهات الإقليمية والدولية والمشاريع والأدوات التي يمكن تعبئتها لدعم جهود التعافي.
- تقييم الجاهزية الإقليمية: تحليل شامل للبنية التحتية التكنولوجية الحالية في المنطقة العربية وقدرتها على دعم جهود التعافي، مرفق بتوصيات عملية للدول الأعضاء لتعزيز الحوكمة الإلكترونية والنظم الرقمية.
- إطار التخطيط الاستراتيجي: مسودة إطار متكامل يستند إلى الدروس المستفادة من الورشة، ويشكّل أساسًا للنقاشات المستقبلية وبرامج بناء القدرات الرامية إلى إدماج التكنولوجيا في عمليات إعادة الإعمار والتخطيط من أجل الصمود.