لا تتوقف التحديات التي نشهدها اليوم عند الحدود الوطنية، ولا تنحصر في قطاع بعينه. فمن النزاعات في المنطقة العربية وآثارها العابرة للحدود، إلى تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي وأمن الطاقة، مرورًا بالتحولات التكنولوجية المربكة والصدمات الاقتصادية، تتسارع هذه التحديات بوتيرة تفوق بكثير قدرة المؤسسات على الاستجابة لها.
في هذا السياق، شاركت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا (رانيا المشاط في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة والعديد من الفعاليات الجانبية في نيويورك من 21 إلى 25 أيلول/سبتمبر، حيث أكدت على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لتحقيق السلام، والأمن المائي وأمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، والمساواة بين الجنسين، وصون الكرامة الإنسانية. كما بحثت فرص التعاون خلال لقاءات ثنائية عقدتها مع مسؤولين رفيعي المستوى من المنطقة العربية والأمم المتحدة.
خلال اجتماع رفيع المستوى تحت عنوان "من الصدمة إلى الصمود: دعم البلدان في مواجهة الأزمات المركّبة"، قالت المشاط: "رغم أنّ الأزمة تطال معظم الدول، فإن أثرها ليس متساوياً. ففي المنطقة العربية، هناك تسع دول من أصل 22 في أزمة أو صراع أو في مرحلة التعافي، ما يجعل التداعيات أشدّ وطأةً". وأضافت أنّ الحلول الوطنية مفيدة ولكن متى كانت إقليمية، يتسع نطاقها، ما يستدعي الاستثمار فيها، فالترابط ليس مجرد خيارٍ يتعلّق بالبنية التحتية، بل هو عامل أساسي لتعزيز القدرة على الصمود.
الطاقة والترابط الإقليمي
وفي منتدى فرص الطاقة، وخلال جلسة بعنوان "بناء طاقة وفيرة في بلدان الجنوب"، أوضحت المشاط أن وفرة الطاقة تعني طاقة موثوقة ومستدامة وميسورة الكلفة، تلبي احتياجات الأسر والخدمات العامة والقطاعات الإنتاجية في جميع أنحاء المنطقة العربية. ودعت إلى سدّ الفجوات في الوصول إلى الطاقة والتمويل، وتوظيف الترابط الإقليمي والتخطيط الصناعي المتكامل لتحويل الاستثمارات في الطاقة إلى مكاسب تنموية أوسع نطاقًا.
وفي جلسة ضمن الاجتماع الرفيع المستوى حول "إعادة بناء الثقة والتعاون والاستقرار العالمي من أجل مستقبل مشترك" الذي نظمه مركز نظامي الكنجوي الدولي تمحورت حول "الطاقة والأمن والمناخ: إدارة الانتقال الثلاثي"، شددت على أنّ الانتقال العادل في مجال الطاقة في المنطقة العربية يتطلب توازنًا حذرًا بين التنمية وأمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها واستدامتها والقدرة على صمود في وجه تغير المناخ.
وفي حوار رفيع المستوى عقده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان "التقارب الإقليمي في مجالات الطاقة والتجارة والربط الشبكي: تحويل التعاون الإقليمي إلى مرونة واستثمار وتكامل استراتيجي"، شددت الأمينة التنفيذية على أن المنطقة العربية تمتلك بالفعل بنية تحتية قوية، وموارد متكاملة، ورؤوس أموال، وإمكانات بشرية، وقالت إن التحدي يكمن في تحويل هذه المقوّمات إلى منظومة إقليمية فاعلة تعزز القدرة على الصمود، وتحفز الاستثمار، وتحقق والازدهار المشترك.
إلى ذلك، شاركت المشاط في فعالية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي حول "المياه كضرورة استراتيجية: من التحديات العالمية إلى العمل الجماعي"، والتي نظمتها الإمارات العربية المتحدة والسنغال، اللتان تشتركان في استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026. ووصفت أمن المياه بأنه ضرورة استراتيجية تربط بين السلام والقدرة على الصمود والازدهار وأمن الغذاء والطاقة والتنمية المستدامة. كما سلّطت الضوء على الأولويات والتوصيات الإقليمية العربية تحضيرًا لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026 الذي سيعقد في أبوظبي في كانون الأول/ديسمبر المقبل.
تمكين الشباب والنساء
خلال حلقة نقاش للمنتدى الاقتصادي العالمي حول "إعادة تصور المسارات نحو الوظائف الجيدة في عصر الذكاء الاصطناعي"، استعرضت المشاط دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل مسارات التوظيف الهشة بالفعل في منطقة تعاني من بطالة الشباب، وفجوات المهارات، وانتشار العمل غير النظامي، وعدم تكافؤ الفرص. وفي إطار تقديمها للذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز العمل لا لاستبداله، حددت ثلاث أولويات عملية: "بناء المهارات، وبناء الدرجة الأولى من السلم المهني، وحماية مرحلة التحول".
هذا وكان للأمينة التنفيذية مشاركة في حلقة نقاش لصحيفة "فورين بوليسي" عُقدت بعنوان "قوتها: القيادة والديمقراطية: القوة، والتمثيل، والتغيير العالمي"، أكدت فيها أن التمكين الاقتصادي للمرأة يُعدّ أمرًا أساسيًا لسدّ الفجوة المستمرة بين الجنسين في المنطقة. وقالت: "على الرغم من التقدم المحرز في مجال التعليم، إلا أن مشاركة المرأة في القوى العاملة في المنطقة لا تزال منخفضة للغاية". وأضافت: "إن التحدي أمامنا في المنطقة يكمن في ضمان تحويل تعليم النساء والفتيات إلى فرص، والفرص إلى استقلال اقتصادي، والمشاركة إلى صوت أكثر تأثيرًا في القرارات التي ترسم ملامح اقتصاداتنا ومجتمعاتنا". ولفتت أيضاً إلى التوزيع غير المتكافئ لمسؤوليات الرعاية، لا سيّما أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر، كأحد العوائق الرئيسية أمام عمل المرأة.
التمويل من أجل التنمية
وفي الفعالية الجانبية الرفيعة المستوى التي نظمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع المغرب تحت عنوان "تمويل المستقبل"، أكدت المشاط أن تمويل التنمية في المنطقة يواجه قيودًا بسبب فجوة كبيرة في الموارد، وضغوط الديون المتزايدة، وضعف القدرة على الاحتفاظ برؤوس الأموال الخاصة، وضيق الحيّز المالي. واقترحت استجابة تجمع بين تعزيز تعبئة الموارد المحلية، والارتقاء بجودة الاستثمار، وإصلاح الهيكل المالي الدولي، وتنسيق العمل على المستويين الوطني والإقليمي.